فصل: تفسير الآية رقم (68):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (66):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} [66].
قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} أي: بالقرآن المجيد: {وَهُوَ الْحَقُّ} أي: الكتاب الصادق في كل ما نطق به {قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي: لم يفوض إليّ أمركم فأمنعكم من التكذيب، وأجبركم على التصديق. إنما أنا منذر، وقد بلغت. وبعضهم أرجع الضمير في {بِهِ} للعذاب. أي: كذب بالعذاب الموعود، قومُك المعاندون، وهو الواقع لا محالة.

.تفسير الآية رقم (67):

القول في تأويل قوله تعالى: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [67].
{لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ} أي: لكل خبر عظيم وقت استقرار، لصدقه أو كذبه {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: مستقر هذا النبأ ومآله، وأن العاقبة له، كما قال تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}.

.تفسير الآية رقم (68):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [68].
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ} أي: بالطعن والاستهزاء {فِي آيَاتِنَا} أي: المنسوبة إلى مقام عظمتنا، التي حقها أن تعظم بما يناسب عظمتنا. والموصول كناية عن مشركي مكة، فقد كان ديدنهم ذلك {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي: فلا تجالسهم، وقم عنهم {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي: حتى يأخذوا في كلام آخر، غير ما كانوا فيه من الخوض في آياتنا.
{وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} بأن يشغلك فتنسى النهي عن مجالستهم {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: إن ينسينّك الشيطان، فجلست معهم، فلا تؤاخذ به، لكن إذا ذكرت النهي، فلا تقعد معهم، لأنهم ظالمون بالطعن في الكلام المعجز، عناداً.
وفي الحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه»- رواه الطبرانيّ عن ثوبان مرفوعاً. وإسناده صحيح- وهذه الآية هي المشار إليها في قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُم} الآية. لأن في حضور المنكَر مع إمكان التباعد عنه، مشاركة لصاحبه.
فوائد:
قال السيوطي في الإكليل: في هذه الآية وجوب اجتناب مجالس الملحدين، وأهل اللغو، ويستدل بها على أن الناسي غير مكلف، وأنه إذا ذكر عاد إليه التكليف، فيعفى عما ارتكبه في حال نسيانه. ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة في العبادات والتعليقات. انتهى.
وقال الرازي: ومن الحشوية من استدل بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته. قال: لأن ذلك خوض في آيات الله، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية.
والجواب عنه: أن المراد من الخوض في الآية الشروع في الطعن والاستهزاء. فسقط هذا الاستدلال- والله أعلم-.
وقال بعض مفسري الزيدية- ثمرة الآية أحكام:
الأول- وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بآيات الله أو بحججه أو برسله، وأن لا يقعد معهم، لأن في القعود إظهار عدم الكراهة، وذلك لأن التكليف عامّ لنا، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يجب الإعراض، وترك الجلوس معهم، إذا لم يطمع في قبولهم، فإذا انقطع طمعه إذاً، فلا فائدة في دعائهم. ويجب القيام عن مجالسهم إذا عرف أن قيامه يكون سبباً في ترك الخوض، وأنهم إنما يفعلونه مغايظة للواقف، إذ كان وقوفه يوهم عدم الكراهة.
الحكم الثاني- جواز مجالسة الكفار، مع عدم الخوض، لأنه إنما أمرنا بالإعراض مع الخوض. وأيضاً فقد قال تعالى: {حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}. قال الحاكم: والآية تدل أيضاً على المنع من مجالسة الظلمة والفسقة، إذا أظهروا المنكرات، وتدل على إباحة الدخول عليهم لغرض، كما يباح للتذكير. وفي الآية أيضاً دلالة على وجوب الإنكار، لأن الإعراض إنكار. قال: وتدل على أن التقية من الأنبياء والأئمة بإظهارهم المنكر لا تجوز، خلاف الإمامية، وتدل على جواز النسيان على الأنبياء.
الحكم الثالث- أن الناسي مرفوع عنه الحرَج، فإن قيل: النسيان فعل الله، فِلمَ أضيف إلى الشيطان؟ أجيب: بأن السبب من الشيطان، وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر، فأضيف إليك لذلك. كما أن من ألقى غيره في النار فمات، يقال، إنه القاتل، وإن كان الإحراق فعل الله، واختلف في النسيان ما هو؟ فقال الحاكم: هو معنى يحدثه الله في القلب. وقال أبو هاشم وأصحابه: ليس بمعنى، وإنما هو زوال العلم الضروريّ الذي جرت العادة بحصوله. انتهى.

.تفسير الآية رقم (69):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [69].
{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أي: وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء عما يحاسبون عليه من حوضهم {وَلَكِنْ ذِكْرَى} أي: ولكن أمروا بالإعراض عنهم، ليكون ذكرى لضعفاء المسلمين، لئلا يقع شيء من مطاعن المستهزئين في قلوبهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: يبلغ مبلغ التوقي من شبهاتهم، بالجلوس مع علمائه بدلهم.
تنبيهان:
الأول- ما ذكرناه في معنى الآية، هو ما قرره المهايميّ رحمه الله تعالى. وقيل: المعنى: ولكن على المتقين أن يذكروهم ذكرى إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم، لعلهم يتقون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم، فلا يعودون إليه، وجوزوا أن يكون الضمير: {لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ}، أي: يذكرونهم رجاء أن يثبتوا على تقواهم، أو يزدادوها. انتهى.
وما ذكرناه أسدّ وأوجه.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال في الآية: أي: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك. أي: إذا تجنبتهم، وأعرضت عنهم. وعليه فالموصول كناية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. التفت به تعظيماً وتكريماً.
الثاني- قال السيوطي في الإكليل: قد يستدل بقوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ}.. إلخ على أن من جالس أهل المنكر، وهو غير راض بفعلهم، فلا إثم عليه. لكن آية النساء تدل على أنه آثم، ما لم يفارقهم، لأنه قال: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُم} [النساء: 140]. أي: إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، وهي متأخرة. فيحتمل أن تكون ناسخة لهذه كما ذهب إليه قوم منهم السدّي. أقول: المنفيّ في الآية هو لحوق شيء من وبال الخائضين، وإثم كفرهم لمجالسيهم المتقين، فلا ينافي ذلك لحوق وبال المجالسة على انفرادها، وهو ما أفادته آية النساء. فالمثلية إذن في مطلق الإثم، وإن تباين ما صدقه فيهما، إذ لا قائل بأن مطلق مجالستهم ردة وكفر. نهم! لو قيل بأن المثلية محمولة على ما إذا حصل الرضا بشأن مجالستهم، فلا إشكال إذن. وبالجملة فاستدلال الإكليل واهٍ، ولذا عبر بـ: {قد}، ودعوى النسخ أوهى. فتأمل!

.تفسير الآية رقم (70):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [70].
{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ} أي: الذي كلفوه ودعوا إليه، وهو دين الإسلام {لَعِباً وَلَهْواً} حيث يخروا به واستهزؤوا: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} حيث اطمأنوا بها، وزعموا أن لا حياة بعدها أبداً، وأن السعادة في لذاتها. أي: أعرض عنهم، ودعوهم، ولا تبال بتكذيبهم، وأمهلهم قليلاً، فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم {وَذَكِّرْ بِهِ} أي: ذكر الناس بهذا القرآن: {أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي: مخافة أن تسلم إلى الهلاك، وترتهن بسوء كسبها. وغرورها بإنكار الآخرة. يقال: أبسله لكذا: عرضه ورهنه، أو أسلمه للهلكة {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ} ينصرها بالقوة: {وَلا شَفِيعٌ} يدفع عنها بالمسألة.
{وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا} أي: وإن تفد كل نوع من أنواع الفداء، بما يقابل العذاب، لا يقبل منها، لبعدهم عن مقام الفداء. والعدل: الفدية، لأن الفادي يعدل المفدى بمثله.
{أُولَئِكَ} إشارة إلى المتخذين دينهم لعباً ولهواً: {الَّذِينَ أُبْسِلُوا} أي: سلموا للهلاك، بحيث لا يعارضه شيء {بِمَا كَسَبُوا} بهذا الاغترار من إنكار الآخرة معها، والانهماك في الشهوات المحرمة {لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} أي: ماء مغليّ يتجرجر في بطونهم، وتقطع به أمعاؤهم {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: بنار تشتعل بأبدانهم {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} أي: بسبب كفرهم.

.تفسير الآية رقم (71):

القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [71].
{قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا} أي: أنعبد من دونه ما لا يقدر على نفعنا، إن دعوناه، ولا ضرنا إن تركناه {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} عطف على ندعو، داخل في حكم الإنكار والنفي. أي: ونرد إلى الشرك. والتعبير عنه بالرد على الأعقاب- لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو عَلَمٌ في القبح، مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر- أفاده أبو السعود-.
{بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ} أي: للإسلام والتوحيد، وأنقذنا من عبادة الأصنام، فنصير كالمستمر على الضلال، بل: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ} أي: استمالته عن الطريق الواضح مردة الجن {فِي الْأَرْضِ} القفر المهلكة {حَيْرَانَ} أي: تائهاً ضالاً عن الجادّة، لا يدري كيف يصنع {لَهُ} أي: لهذا المستهوى: {أَصْحَابٌ} أي: رفقة: {يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى} أي: إلى الطريق المستقيم {ائْتِنَا} على إرادة القول، أي: يقولون ائتنا. أي: وهو قد اعتسف المهمة، تابعاً للشياطين، لا يجيبهم ولا يأتيهم. فشبه حال من خلص من الشرك، ثم عاد له، بحال من ذهب به المردة في مهمه بعد ما كان على الجادة، ولا يدري مقصده الذي هو سائر إليه، مع وجود رفقة تناديه لتهديه، وهو لا يسمع لهم {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ} أي: الذي أرسل به رسله {هُوَ الْهُدَى} أي: وما وراءه ضلال وغيّ {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}.

.تفسير الآية رقم (72):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [72].
{وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ} أي: في مخالفة أمره {وَأَنْ أَقِيمُوا} عطف على: {لِنُسْلِمَ}. ومعناه: أن نسلم. فاللام فيه رديفه: {أَنْ}، أو عطف عليه، واللام تعليلية، أي: للإسلام، ولإقامة الصلاة. وفي ورود: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} محكياً بصيغته، وورود: {نسلم} محكياً بمعناه. احتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم حكى قول الله بمعناه، دون لفظه. انظر الانتصاف.
تنبيه:
في تخصيص الصلاة بالذكر من بين أنواع الشرائع، وعطفها على الأمر بالإسلام، وقرنها بالأمر بالتقوى- دليل على تفخيم أمرها، وعظيم شأنها- ذكره بعض الزيدية-: {وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.

.تفسير الآية رقم (73):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [73].
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: بالحكمة، كقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} [ص: 27].
وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ} بيان لقدرته تعالى على حشرهم، بكون مراده لا يتخلف عن أمره، وأن قوله هو النافذ والواقع، والمراد بـ القول كلمة كن تحقيقاً أو تمثيلاً. فـ: {قوله الحق} متبدأ وخبر. و{يوم} ظرف لمضمون هذه الجملة. كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
وكأن قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} إلخ عقب قوله: {وهو الذي إليه تحشرون} سيق للاحتجاج على قدرته تعالى على البعث، ردّاً على منكري ذلك من المشركين، الذين السياق فيهم. وما أشبه الآية بقوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً} [يس: 81- 82].
ولا يخفى أن باستحضار النظائر القرآنية، تنجلي الحقائق. وقد توسع المفسرون هنا في إعراب هذه الجملة، بسرد وجوهٍ ضاع الظاهر بينها- وقد علمتَه، فاحرص عليه-.
{وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} أي: فلابد أن يفعل بالمطيع والعاصي فعل الملوك، لمن يطيعهم أو يعصيهم. فـ: {يوم} ظرف لقوله: {وَلَهُ الْمُلْكُ}- قاله أبو السعود- وتقييد اختصاص الملك به تعالى، بذلك اليوم، مع اليوم، مع عموم الاختصاص لجميع الأوقات، لغاية ظهور ذلك. بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا، المصححة للمالكية المجازية في الجملة، كقوله تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]. وقوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 26].
وقد زعم بعضهم أن المراد بـ: {الصور} هنا جمع صورة، أي: يوم ينفخ فيها، فتحيى. قال ابن كثير: والصحيح أن المراد بـ: {الصور} القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، وهكذا قال ابن جرير: الصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ».
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عَمْرو قال: إن أعرابياً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصور؟ فقال: «قرن ينفخ فيه». ورواه داود والترمذيّ والحاكم، عنه أيضاً.
{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي: هو عالمهما {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} ذو الحكمة في سائر أفعاله. والعلم بالأمور الجلّية والخفية.
ثم أمر تعالى بنيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر لمن اتخذ دينه هزواً ولعباً إنكار إبراهيم عليه الصلاة والسلام- الذي يزعمون أنهم على دينه، ويفتخرون به- على أبيه في شركه بقوله سبحانه: